منع الحجاب في أذربيجان: سراب من أوروبا وشظايا من مرآة الهوية
قراءة من واقع معرفتي بالمجتمع الأذربيجاني
استوقفتني أزمة منع الحجاب في المدارس الأذربيجانية، وما أثارته من جدل تجاوز حدود البلاد. وبحكم معرفتي القريبة بأذربيجان ومكوناتها الاجتماعية والثقافية، وما تكوّن لديّ من انطباعات خلال زيارات متعددة ولقاءات مع شخصيات أذرية من خلفيات مختلفة، رأيت أن أتأمل القضية من زوايا تتجاوز قرارًا يتعلق بالزي المدرسي، إلى ما يكشفه من علاقة مضطربة بين الهوية والدين وخيارات الدولة.
فقد لمست في أحاديثي مع مثقفين أذريين حنينًا إلى قيم يرون أنها تراجعت مع الاندفاع نحو التحديث، في حين عبّر آخرون عن اعتزازهم بما حققته بلادهم من تطور، وإن كانوا يخشون أن يكون ذلك على حساب الجذور والهوية. وبين هؤلاء وأولئك، من يرى في باكو امتدادًا لأوروبا، ولا يريد أن ينظر طويلًا في مرآة الماضي.
في باكو، الطرق واسعة والمباني شاهقة وجميلة، وكثير منها واجهات زجاجية تنعكس عليها صورة مضببة لهوية المدينة. وفي أطرافها بيوت جذابة من طابق أو طابقين، وأسواق صغيرة تعج بالزرابي الفارسية والمقاهي التركية، ونساء يحملن أكياس التسوق، قليل جدا منهن يرتدين الحجاب. وسرعان ما يشعر الزائر بأن باكو تسعى إلى أن تكون أوروبية بأي ثمن.
ومع أن أذربيجان تبدو بلدًا يعرف ما يريد في الاقتصاد والعمران، وقد شهدت نهضة تنموية لافتة خلال العقود الأخيرة، فإن المجتمع لم يبدُ لي واثقًا تمامًا من نفسه حين يتعلق الأمر بدينه وقيمه وهويته. وهو تردد لا يظهر في لباس المرأة وحده، بل يمتد إلى أنماط الحياة والتعليم والتوجهات السياسية، ومنها التقارب الوثيق مع إسرائيل. وبين هذه الخيارات المتباينة، وبين اليقين والتردد، كبرت الشقوق التي تجعل الزائر يشعر أحيانًا بالغربة في هذا البلد الجميل، الذي يبدو لي مشوشًا في علاقته بجذوره.
ولفهم ما وراء هذه الصورة، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء. فقد خرجت أذربيجان، كغيرها من الجمهوريات السوفييتية، من تجربة طويلة تركت الدين موضع ريبة، وأُغلقت خلالها مساجد كثيرة أو حُوّلت إلى مخازن ومتاحف، وصُوّرت الشعائر الدينية على أنها بقايا ماضٍ متخلف ينبغي تجاوزه. ومع ذلك، لم يختفِ الدين من حياة الناس، بل بقي حاضرًا في المناسبات، وفي لغة الجدات، وفي ممارسات يعدّها كثيرون عادات اجتماعية، مثل الصيام والاحتفال بالأعياد وقراءة القرآن في الجنائز ومراسم الزواج والوفاة.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، عادت المساجد إلى النشاط، وفُتحت بعض المدارس الدينية، وتدفقت الكتب من تركيا وإيران والعالم العربي. ودخل المجتمع مرحلة بحث عن ذاته؛ فعاد بعض أبنائه إلى تفاصيل الممارسة الدينية، واكتفى آخرون بالمظاهر المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، بينما بقيت فئات واسعة في منطقة وسطى بين هذا وذاك.
ومن يجوب البلاد يكتشف أن المجتمع الأذربيجاني متدين على طريقته؛ فلا هو مجتمع محافظ بالمعنى المتعارف عليه، ولا هو علماني كما قد يتخيله من يحكم على أذربيجان من خلال باكو الأوروبية وحدها. فما زال الناس يصومون ويتزوجون ويدفنون موتاهم وفق التقاليد الإسلامية، ويعرفون الحلال والحرام، لكنهم يحملون في الوقت نفسه آثار سبعين عامًا من الإلحاد الرسمي، حتى غدا الدين لدى كثيرين أقرب إلى الذاكرة الثقافية منه إلى نمط حياة يستند إلى تعاليم الإسلام.
ولعل الأدب من أصدق الشواهد على عمق تلك الذاكرة؛ فقد احتفظ بما لم يستطع الزمن محوه. والشعر الأذري دليل على أن التدين والتصوف وقيم العفة أقدم من الاتحاد السوفييتي بقرون، وأنها ظلت حاضرة في الوجدان الشعبي، في أشعار تتناقلها الأجيال وتتغنى بها في المجالس والمناسبات. فقد كتب شاه إسماعيل الخطائي، أحد أعلام الشعر الصوفي الأذربيجاني في أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، عن الحب الإلهي والتزكية والمعاني الروحية، وما زال شعره جزءًا من الموروث الثقافي الأذربيجاني. وفي القرى والمدن الصغيرة، لا تزال الحياة تحتفظ بكثير من ملامح التدين والبساطة.
ومع بدايات القرن العشرين واتساع حركة الصحافة والإصلاح، ظهرت أصوات تنتقد جمود بعض رجال الدين وما تم ربطه بمظاهر التخلف الاجتماعي، وارتفعت الدعوات تدعو إلى تعليم المرأة وإشراكها في الحياة العامة. وكان ميرزا جليل محمد قولي زاده من أبرز الأصوات التي استخدمت الأدب والصحافة الساخرة لنقد الجهل والاستبداد والعادات التي تحرم المرأة من التعليم والمشاركة في المجتمع. ولم تكن القضية عنده مجرد لباس، بقدر ما كانت رفضًا لإكراه المرأة وعزلها وحرمانها من حقوقها.
ثم جاءت الحقبة السوفييتية، بما حملته من تضييق على الدين وسخرية من مظاهره وشعائره، لتفرض تصورًا آخر لتحرير المرأة، ارتبط في جانب منه بإبعادها عن الرموز الدينية. وفي باكو اليوم تمثال من تلك الحقبة لامرأة تنزع حجابها، يقف شاهدًا على زمن حاولت فيه الدولة أن تصنع الحرية بالتمثال والقرار. غير أن الأدب الذي بقي في البيوت والمجالس، والحياء الذي استمر في اللباس والعادات، والشعر الذي ظل يُتلى، لم تمحه القرارات. فالمجتمع لم يتخلَّ تمامًا عن دينه، وإن تبدلت صور التعبير عنه.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يعود الحجاب إلى الانتشار عقب الاستقلال، مدفوعًا بالانفتاح على ثقافات مختلفة عبر السفر والدراسة والإعلام، وبالرغبة في تأكيد الهوية بعد زوال الهيمنة السوفييتية. ولم تكن هذه العودة مجرد رجوع إلى الماضي، بل حملت معاني دينية واجتماعية جديدة، وعكست سعي بعض الفتيات إلى التعبير عن هويتهن بعيدًا عن النموذجين السوفييتي والغربي.
وفي أذربيجان اليوم، يمكن ملاحظة ثلاثة أجيال من المحجبات: جدات يغطين رؤوسهن بحكم العادات الموروثة، وجيل تعرّف إلى الدين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجيل شاب اختار الحجاب في ظل اتساع المعرفة والتطور التكنولوجي. وقد تجتمع هذه الاختيارات في الأسرة الواحدة؛ فتجد الأم أو الجدة ترتدي غطاءً تقليديًا، بينما تختار الابنة الحجاب عن قناعة دينية، أو تميل إلى لباس شديد التحرر وترى في الحجاب مظهرًا من مظاهر الماضي.
وقد لاحظت خلال زياراتي اختلاف مظاهر الحجاب والاحتشام باختلاف المناطق والأجيال. وأخبرني أصدقاء من مناطق مختلفة أن الفتيات في عائلاتهم المحافظة يحرصن على الاحتشام، حتى إن لم يغطين رؤوسهن. أما في باكو، فقد بدا لي الحجاب أقل حضورًا. ولعل ذلك يعود جزئيًا إلى أن زياراتي للمدينة كانت في معظمها رسمية، وأن لقاءاتي تركزت في المؤسسات، لكنني، حتى خلال تجوالي في المدينة، نادرًا ما صادفت فتيات محجبات.
هذه الخلفية ضرورية لفهم ما يجري اليوم؛ فالحجاب في أذربيجان ليس مجرد قطعة لباس يمكن فصلها عن تاريخ المجتمع، بل أحد المظاهر التي تختزن علاقته المضطربة بماضيه الديني وبصورته الحديثة.
ومسألة منع الحجاب في المدارس الأذربيجانية ليست جديدة. ففي ديسمبر 2010، أثارت القيود المفروضة عليه احتجاجات واسعة، وتجددت القضية في مارس 2026، حين مُنعت طالبات محجبات من دخول بعض المدارس، ومنها مدارس في قرية مهدي آباد. غير أن ما كان يُمارس بصورة متباينة وجد لاحقًا غطاءً تشريعيًا وتنظيميًا؛ ففي يوليو 2026 عُدّل قانون التعليم العام، ثم صدرت في سبتمبر قواعد جديدة تتعلق بالزي المدرسي، استندت إلى مبدأ علمانية التعليم من دون أن تذكر الحجاب صراحة.
وهنا تكمن المشكلة. فالأمر لا يبدو مجرد غموض في الصياغة القانونية، بل طريقة تسمح بتمرير المنع من دون تسميته. تُصاغ القواعد بعبارات عامة، ثم يُترك تطبيقها لإدارات المدارس، فتُمنع الطالبات والمعلمات المحجبات من الدخول في بعض المؤسسات، في حين يختلف التطبيق في مؤسسات أخرى. وهكذا يصبح الحظر واقعًا عمليًا، حتى وإن لم يُعلن باسمه.
وقد أثارت هذه الإجراءات احتجاجات واسعة، وأعلنت السلطات توقيف 37 شخصًا في باكو، بينما كشفت مقاطع الفيديو والشهادات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حجم الارتباك والتناقض في التعامل مع القضية، والأثر القاسي الذي خلّفه القرار في نفوس الطالبات وأسرهن.
وهنا نعود إلى تلك المرآة الضبابية التي تنظر فيها باكو إلى نفسها. فنحن أمام مجتمع يعرّف نحو 96 بالمئة من سكانه أنفسهم بأنهم مسلمون، وإن اختلفت درجات تدينهم وممارساتهم. وفي الثقافة الإسلامية التي تشكل أحد أصول هذا المجتمع، تحتل العفة والاحتشام وصون الكرامة مكانة أساسية في تربية الفتاة وتنظيم علاقتها بالمجتمع. فالمرأة، في هذا التصور، ليست جسدًا معروضًا للأنظار، ولا تختزل قيمتها في جمالها أو مظهرها، وإنما تُكرّم لإنسانيتها وعقلها وخلقها ومكانتها في الأسرة والمجتمع.
وأرى أن الحجاب يندرج ضمن هذه الرؤية المتكاملة للعفة وصون الكرامة، لا باعتباره بديلًا عن القوانين التي تحمي المرأة من التحرش والاعتداء، وإنما جزءًا من منظومة أخلاقية وتربوية واجتماعية أوسع. فقد أثبتت التجارب أن التشريعات وحدها، مهما بلغت درجة تطورها، لا تكفي للقضاء على العنف والتحرش والاستغلال، ما لم تسندها ثقافة تحترم الإنسان وجسده وخصوصيته. ومن هنا تبرز أهمية التربية على العفة والاحتشام، لا بوصفها مسؤولية المرأة وحدها، بل باعتبارها قيمًا تضبط سلوك الرجل والمرأة معًا، وتتكامل مع أحكام غض البصر وحفظ الحرمات والتكافل وصون الأسرة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المدرسة في المجتمع المسلم ينبغي أن تكون فضاءً للتربية والعلم والأدب، وامتدادًا للقيم الأصيلة التي تنشأ عليها الفتاة في بيتها، لا ساحة تصطدم فيها بمعتقداتها. فحين تتناقض رسائل المدرسة مع ما تربّت عليه، تجد نفسها أمام صورتين متعارضتين، ممزقة بين ما نشأت عليه وما يُطلب منها أن تصبح عليه.
ولا خلاف على حق الدولة في تنظيم مؤسساتها العامة، لكن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للإقصاء. فالدستور الأذربيجاني نفسه يكفل في مادته 42 الحق في التعليم، وتحمي المادة 48 حرية الضمير والمعتقد، فيما تشترط المادة 71 أن تكون القيود على الحقوق والحريات مستندة إلى القانون ومتناسبة مع الغاية المرجوة منها. وليس من السهل تبرير حرمان طالبة من مقعدها الدراسي بسبب غطاء رأس، أو اعتبار تخليها عن مظهر من مظاهر اعتقادها شرطًا لدخول المدرسة.
فحياد المؤسسة التعليمية يتعلق بطبيعة الدولة ومناهجها وسلطتها في إدارة التعليم، لكنه لا يقتضي بالضرورة تجريد التلاميذ من معتقداتهم الشخصية. والمدرسة العلمانية تستطيع أن تحافظ على مناهجها ونظامها من دون أن تجعل الحجاب عقبة أمام تعليم الفتاة. غير أن هذا التمييز بين حياد المؤسسة وحرية الفرد يبدو غائبًا في القرار الأذربيجاني، حيث تتحول العلمانية من إطار يفترض أن يتسع لاختلاف المواطنين إلى صورة واحدة يُطلب من الجميع مطابقتها.
وتزداد خطورة المسألة إذا استحضرنا التزامات أذربيجان الدولية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفق تفسير لجنة حقوق الإنسان في التعليق العام رقم 22، يحمي حق الإنسان في إظهار معتقده من خلال الملابس وأغطية الرأس، ولا يجيز تقييد هذه الحرية إلا وفق شروط قانونية محددة تراعى فيها الضرورة والتناسب. وفي قضية هودويبيرغانوفا ضد أوزبكستان عام 2004، خلصت اللجنة إلى أن حرمان طالبة من مواصلة دراستها بسبب حجابها، من دون مبرر كافٍ، يشكل انتهاكًا لحرية الدين.
ومن المفارقات أن أذربيجان تعيد إنتاج تجربة أثارت الجدل في مجتمعات أخرى، وأظهرت أن منع الحجاب لا ينهي التدين، بل قد يزيد التشبث برموزه. ويبدو أن المشكلة أعمق من تنظيم اللباس، لأن الحجاب أصبح موضع تجاذب تتداخل فيه اعتبارات دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية.
فهو فريضة في اعتقاد المسلمة المتدينة، ورمز لانتمائها وقيم أسرتها، في حين ترى فيه السلطة مظهرًا دينيًا تسعى إلى ضبط حضوره في المؤسسات العامة. ولهذا الصراع تبعات اجتماعية واقتصادية أيضًا، لأن حرمان الفتيات من التعليم يهدد فرصهن المستقبلية في العمل والدخل والاستقلال الاقتصادي، وقد يدفع بعضهن إلى الهشاشة والفقر، وفق عقيدة أذربيجان العلمانية.
أما البعد الأعمق لهذه الإشكالية فيظل سؤال الهوية. فأذربيجان بلد تتداخل في ذاكرته روافد تركية وفارسية وروسية وقوقازية وسوفييتية، فيما يستهوي عاصمته البريق الأوروبي. وهذا التنوع لا يمثل مشكلة في ذاته؛ فهناك مجتمعات قادرة على استيعاب روافد حضارية متعددة من دون أن تفقد شخصيتها مثل ماليزيا التي يكاد يكون نصف سكانها من ديانات وثقافات مختلفة ومع ذلك يكرم الحجاب مثل التاج على رأس كل فتاة. فالمشكلة تبدأ حين يتحول الانفتاح إلى قطيعة مع الجذور، وحين تُعامل المظاهر الدينية بوصفها عائقًا أمام التقدم.
وقد لمست هذا التوجه في شكل باكو وإيقاعها؛ إذ بدا الاعتزاز بالتراث أكثر حضورًا في العمارة والموسيقى والمهرجانات منه في اللباس ونمط الحياة. وكأن الماضي يُستدعى لتزيين المدينة، لكنه لا يُرحّب به دائمًا حين يظهر في قناعات الناس واختياراتهم اليومية. فيصبح التراث جميلًا حين يُعلّق على الجدران، ومربكًا حين ترتديه فتاة في طريقها إلى المدرسة.
وفي خضم هذه الأزمة يبرز موقف المفتي الشيخ الله شكور باشازاده، رئيس إدارة مسلمي القوقاز، الذي أكد في تصريحات نُقلت عنه في 13 أكتوبر الأهمية الدينية للحجاب، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى احترام قرارات الدولة، وانتقد تحويل المدارس إلى ساحات احتجاج، مع إشارته إلى حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ومخاطبة المسؤولين.
ويمكن فهم هذا الموقف بوصفه محاولة للجمع بين تثبيت الحكم الديني وتجنب الصدام مع الدولة، لكنه يكشف أيضًا مأزق العلماء تحت سلطة تضيق مجال الرأي. فالدعوة إلى احترام القرار، حتى وإن لم يقصد بها المفتي تأييد المنع، قد تمنحه غطاءً معنويًا يضعف الاعتراض عليه، وتترك الفتاة عالقة بين قناعتها الدينية وقرار إداري يحول دون دخولها المدرسة. وهكذا يصبح الحفاظ على الموقف الديني جزءًا من معادلة معقدة، تتحمل الفتاة وحدها كلفتها، بينما يظل حقها في التعليم معلقًا بين ما تراه واجبا شرعيا وما تسمح به السلطة.
وللأزمة امتداد يتجاوز الحدود الأذربيجانية؛ فأذربيجان، رغم عضويتها في منظمات إسلامية وغالبية سكانها المسلمين، تحرص على إبقاء هويتها السياسية بعيدة عن الانتماء الديني، فيما تتباين داخل المجتمع نفسه تصورات الإسلام ودوره في الدولة والحياة العامة.
وتحتل تركيا موقعًا خاصًا في هذه المعادلة. فالعلاقة بين البلدين تتجاوز اللغة والتاريخ إلى شراكات استراتيجية ومصالح إقليمية كبرى. ومع ذلك، حين صدرت انتقادات تركية للقيود المفروضة على الحجاب، ردت باكو باعتبار ذلك تدخلًا في شؤونها الداخلية ويستند إلى معلومات مشوهة.
والمفارقة أن باكو تعرف جيدا وعن قرب أن تركيا نفسها عاشت عقودًا من الصراع حول الحجاب، قبل أن تتراجع القيود المفروضة عليه تدريجيًا. وكان من الممكن أن تفيد من تجربتها عن خطورة تحويل اللباس إلى مقياس للولاء للدولة أو لحداثة المجتمع، لكن باكو تبدو وكأنها تعيد السير في الطريق لكن دون الكشف عن نواياها.
وهذه الحساسية تعبر بوضوح عن الخشية من اتساع الصحوة الدينية داخل المجتمع. فالمسألة ليست خوفًا من قطعة قماش وزي مدرسي، وإنما من التحولات الفكرية والاجتماعية التي قد يرمز إليها انتشار الحجاب، ومن الأصوات التي تطالب بإعادة النظر في موقع الدين بعد عقود من إبعاده عن المجال العام.
أما العلاقة مع إسرائيل، القائمة منذ تسعينيات القرن الماضي، والممتدة إلى مجالات الأمن والتقنية والزراعة، فتفتح بابًا آخر لفهم الخيارات الجيوسياسية الأذربيجانية. فأذربيجان، المحاطة بجوار إقليمي معقد، اختارت بناء شراكة وثيقة مع إسرائيل لتعزيز قدراتها وموقعها الاستراتيجي. ولا يمكن الجزم بأن هذه العلاقة تقف وراء القيود المفروضة على الحجاب، لكن خيارات الدولة الخارجية لا تنفصل تمامًا عن تصورها لهويتها وموقع الدين في مجتمعها.
فالوعي الديني، حين يتجاوز الممارسة الفردية إلى موقف أخلاقي وسياسي من القضايا الإسلامية، ومنها القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل، قد يصبح مصدر قلق لسلطة تريد ضبط المجال الديني وإبعاده عن التأثير في خياراتها الاستراتيجية. وهكذا تجد فتاة في مدرسة صغيرة في باكو نفسها، من حيث لا تدري ولا تريد، في قلب معادلة أكبر بكثير من غطاء رأسها، تتداخل فيها حسابات السلطة والهوية والمصالح الإقليمية.
وليست أذربيجان استثناءً في هذا المسار. ففي فرنسا حظر قانون عام 2004 الرموز الدينية الظاهرة في المدارس العامة، وفي تركيا عانت المحجبات عقودًا من القيود قبل رفعها تدريجيًا، بينما فرض قانون كيبيك رقم 21 لعام 2019 قيودًا على ارتداء الرموز الدينية لدى فئات من الموظفين العموميين، ومنهم المعلمون.
ورغم اختلاف السياقات السياسية والقانونية لهذه التجارب، فإنها تعكس صراعًا متكررًا بين مفهوم حياد المؤسسات وحرية المعتقد. وفي تقديري، تختبئ وراء جانب من هذه السياسات خشية من عودة الدين إلى المجال العام، لا بوصفه شعائر فردية فحسب، بل باعتباره مصدرًا للقيم والوعي والاختيارات الاجتماعية. وهي خشية تدفع بعض الدول إلى محاربة المظهر الديني بدل معالجة الأسئلة التي يطرحها حضوره المتجدد.
ووسط هذه الحسابات كلها، يكاد يغيب صوت الطالبات أنفسهن. فليست كل فتاة محجبة ناشطة سياسية، ولا تحمل كل واحدة منهن مشروع معارضة. وكثيرات لا يردن سوى إتمام تعليمهن مع الاحتفاظ بما يعبّر عن قناعاتهن. لكنهن يجدن أنفسهن مضطرات إلى الاختيار بين التعليم والهوية، وكأن أحد الحقين لا يمكن أن يتحقق إلا بالتخلي عن الآخر.
أعود هنا إلى المشهد الذي بدأت منه، إلى باكو الجميلة بشوارعها الواسعة وواجهاتها الزجاجية، وبما تحمله من طموح إلى الحداثة والتقدم. مدينة استطاعت أن تبني لنفسها صورة عمرانية واقتصادية لافتة، لكنها، كما يبدو لي، لم تحسم بعد علاقتها بكل ما تختزنه ذاكرتها من قيم وانتماءات.
فالتنوع الذي تفتخر به المدينة لا يكتمل إذا لم يتسع لفتاة تريد أن تدخل مدرستها بحجابها. والتقدم لا يُقاس بما تشيده الدولة من أبراج وطرق ومؤسسات فحسب، بل بقدرتها على حماية الإنسان من الإقصاء، واحترام حقه في أن يحتفظ بهويته وهو يشارك في بناء مستقبل بلاده.
والدولة التي تحتاج إلى إقصاء فتاة كي تطمئن إلى حياد مؤسساتها لا تبدو قوية بقدر ما تبدو قلقة. أما الحداثة التي تشترط التخلي عن الجذور، فلا تصنع بالضرورة مجتمعًا أكثر حرية، بل قد تعمّق اغترابه عن نفسه.
والمؤلم في الأمر أن أذربيجان، وهي تسعى إلى التحرر من ماضيها، تعود إلى بعض أدواته في التعامل مع الدين. فقد تجاوزت الحقبة السوفييتية في العمران والاقتصاد والسياسة، لكنها لم تتحرر بعد من بعض تصوراتها عن الإنسان والحرية. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ فليست المشكلة في حجاب فتاة تريد دخول المدرسة، بل في دولة لم تتصالح بعد مع كل مكونات هويتها وتحارب كل ما له علاقة بماضيها وهويتها.