عصر التقنية والسرعة … ومتلازمة القلق.
تأملات في نمط حياة تحت قصف السرعة والتقنية
نسب إلى الحسن البصري رحمه الله قوله: أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك وقيل الوقت ينفق استهلاكا أو استثمارا ولم أفطن إلى ذلك إلا حين تحررت تماما من أسر المشاغل المتسارعة وزوبعة القلق الدائم ونبضات قلبي تحاول عبثا أن تلاحق كل إشعار وكل مهمة عاجلة وقائمة أعمال لا تنتهي..

يفتح أحدنا عينيه على هاتفه قبل أن يفتحهما على غرفته، أو على وجه زوجه أو زوجته، أو على أفراد عائلته من حوله حيث تبدأ الدقيقة الأولى من اليوم بإشعار، ورسالة، وخبر عاجل، وتنبيه من تطبيق جديد. لا عصفور على النافذة، ولا رائحة قهوة من المطبخ، ولا حتى صوت آذان يصدح، بل طنين ورنين يسبق حتى إدراك العقل أنه قد استيقظ.
وهكذا تبدأ رحلتنا الطويلة من الاستجابات السريعة، رد سريع، قرار سريع، انتقال سريع بين عشرات المهام والوجهات. ونادرًا ما ينتهي اليوم وقد أنجزنا بعضا مما خططنا له، بل غالبًا ما ننام ونحن نشعر أننا لم ننجز بعضا من القائمة، ونستوعب أننا لم نعش يومنا، وإنما ظللنا نركض خلفه. وهذا الشعور الثقيل ليس وهمًا فنحن حين نُسلم ناصية وقتنا لغيرنا نخسر أثمن ما نملك، ولا ندرك الخسارة إلا حين نقف أمام المرآة ذات يوم ونتساءل: كيف مضت سنين العمر؟
وأمام هذه المفارقات والمخاوف في عصر السرعة والتقنية، ندرك شيئًا فشيئًا أن السرعة التي وُعدنا بأنها ستوفر لنا الوقت والراحة، هي نفسها التي سرقت منا الراحة والطمأنينة. فحين تتسارع وتيرة الحياة من حولنا بهذا الشكل المجنون، يتسارع معها أيضا نبض القلب وذبذبة الأعصاب ثم لا يكاد يهدأ لنا بال ويتصاعد التوتر ومعه يتسلل القلق بصمت خبيث دون أن ندرك أو نشعر، ليس من حدث بعينه ولا من شخص باسمه، بل قلقًا غامضًا مستمرًا وهاجسا يهتف بنا أننا متأخرون دائمًا عن شيء ما وعن كل شيء وكل الناس وأن علينا دائمًا أن ننجز أكثر، ونردّ أسرع، ونستعد لرسالة جديدة أو خبر مهم. قلق يصبح كل يوم جزءًا لا ينفصل عن حياتنا قبل حتى أن ندرك أنه بلغ منا مبلغًا أليمًا.
ومع مرور الوقت، يتحول ذلك القلق الصامت المتسارع إلى نمط حياة وكآبة متخفية تسكننا دون إذن، وهو ما يشتكي منه الزوج الذي يئن لأنه يقصر مع أسرته، والزوجة التي تحترق وتجد نفسها سريعة الانفعال مع أولادها، والعامل الذي يكد ويلاحق توقعات لا تنتهي، والأطفال الذين يركضون مع آبائهم وأمهاتهم كل صباح إلى مكان ما دون أن يعرفوا معنى الراحة والهدوء وقد سرقت منهم معظم طفولتهم، والابن الذي يعيش عذاب الضمير وتحت ضغط الوقت وضوء الهاتف النقال ينسى أن يسأل عن والديه.
الأمر في الحقيقة ليس كذلك فقط بل أمام هدر الوقت وسرعة الحياة وتفاقم القلق كم منا كادت همته أن تبلغ القمم لولا أن الملهيات الكثيرة جدا نكسته، وكم من طاقة كادت تبني مجدًا لولا أنها أُغرقت في التوافه وتضاءلت أمام قصف الصور الضوئية قبل أن تجد طريقها إلى الحياة. ونحن نُدرك ذلك كله وأكثر منه ثم لا نتوقف، ونشكو دوما ثم لا نتغير، لأن الدوامة أسرع منا والوقت كالسيف وقد قطعنا إربا إربا.
إن من أخطر ما فعله بنا هذا العصر أنه محا تلك الفواصل بين أوقاتنا. فلم يعد هناك وقت للعمل، ووقت للراحة، ولم يعد هناك فاصل واضح بين التفكير والانفعال، ولا بين الواجبات والراحة، ولا بين الخارج والداخل، لا خصوصية، لا وحدة ولا مجال للهروب. فقد صار كل شيء متصلًا بكل شيء، وعقولنا لا تكاد تعي أو تهدأ لأنها لا تجد لحظة تغلق فيها الباب على نفسها لتستجمع أنفاسها. وحتى حين نخلد إلى النوم ننظر إلى ذلك الجهاز القرين مرة اخيرة نطلب منه استماعًا سريعًا أو تصفحًا هادئًا لننام عليه فيكون آخر وأول عهدنا باليوم.
إنها كارثة متلازمة السرعة والأجهزة والقلق تتحكم فينا كما لم يتحكم بنا استعمار من قبل على فداحته وهمجيته.
والحقيقة التي نكاد ننساها في خضم هذه المعضلة أننا بطبيعتنا لسنا مهيئين لنحتمل هذا الاتصال الدائم ولا هذا القلق المستمر وحالة الطوارئ التي لا تُرفع فنحن مخلوقات حساسة جدا تحتاج إلى وقفات كثيرة، إلى سكون بين كل حركة وحركة، وإلى راحة بين حين وآخر، وإلا تحولت حياتنا إلى ضجيج صاخب ومستمر حتى في لحظات صمتنا الظاهر. والزمن نفسه لا يُعاش على وتيرة واحدة متصلة لا تنقطع؛ فله تضاريسه وفواصله ومحطاته، وكل محاولة لتطويعه أو تسريعه وإلغاء فواصله إنما هي مخالفة مجحفة لطبيعة الوجود ذاته وتؤدي إلى خلل حياتي وأزمات نفسية عارمة.
الغريب أننا نحاول علاج هذا القلق بمزيد من الداء نفسه، فنهرب من ضغط الإشعارات والأخبار والمقاطع إلى مزيد من التصفح والتطلع ومن قلق الرسائل المتراكمة إلى مزيد من المتابعات الأكثر جذبا إلى الغرق الزمني ظنًا منا أن الانشغال يخفف التعب فلا نجني من ذلك إلا المزيد من توقد القلق واشتعاله كلما حاولنا إخماده بمزيد من الوقود ذاته. فهل يجد عقل راحته بعد يوم عمل طويل في وسائل التواصل الاجتماعي أم إلى وصلة مع النفس والمحيط والناس أو إلى قطعة من الصمت.
أصل المشكلة أعمق من ذلك بكثير، فنحن في الغالب لا نمتلك هدفًا واضحًا ولا خطة شاملة تضبط أوقاتنا، فنقضي أيامنا لاهثين وراء متع لا تُشبع وملهيات لا تنتهي، ومن لا يملك وجهته وهدفه وطريقه تسوقه الأيام إلى حتفه ومن ليست له خطة فهو عامل في خطة غيره.
وحين نصل إلى هذا الحريق العصبي والنفسي، فإننا نكون حينئذ أبعد من أن نستفيد من بعض النصائح الجاهزة السريعة عن التوازن والحياة الصحية والأولويات في حين نحن أحوج ما نكون إلى قلب نظام حياة كامل يعيد الأمور إلى مواقعها ويضبط إيقاع اليوم من جديد، وكل ذلك ممكن قبل أن يقضمنا القلق من الداخل ويتركنا عرضة للأمراض المزمنة والعاهات النفسية المستديمة، وأقلّها أن كثيرًا منا لا ينام إلا بمهدئات من نوع ما نسميها في أحسن الأحوال أعشابا طبيعية ومكملات غذائية إن لم تكن أدوية تخدر العقل.
ولا خروج من هذه الدوامة بحلول خارقة ووصفات ذكية في وجود أقدم وأرسخ نظام يمنحنا فواصل حقيقية في يومنا، وهو ما تهبنا العبادات وفي مقدمتها الصلوات إن فهمنا وأدركنا دورها ولم نعتبرها رقما في القائمة وأعمالًا تُنجز على عجل لنهرع بعدها إلى قائمة الإشعارات والمشاغل على الهاتف النقال. فالصلاة والذكر والدعوات في حقيقتها برنامج يومي محكم يوزع الزمن توزيعًا يراعي احتياجاتنا وفراغاتنا وطبيعتنا، ويضع لكل مرحلة من مراحل اليوم حقها من التوقف والتجديد، وهو ما لم تستطع أكثر نظريات إدارة الوقت أن تبلغه رغم كثرتها وتنوعها لأنها تعمد إلى تسيير المشاغل والمشاعر ولا توفر نظامًا ذاتيا يعالج المشكلة.
أما الصلوات الخمس فتوقيت نفسي وروحي رحيم مصمم للإنسان. الفجر يفتتح يومنا بسكينة وهدوء قبل أن تبدأ المعركة. والظهر يقطع لهيب الانشغال في منتصف النهار ويقطع حبل التوتر. والعصر يخفف من حدة التعب المتراكم ويمنح طاقة للمسير والمغرب يرسم خطًا عريضا أسود يفصل بين غليان النهار وسكون الليل. والعشاء يغلق يومنا بطمأنينة ويسلمنا لنوم هادئ. وليس من قبيل الصدفة أن الله أقسم في كتابه بهذه الفواصل الزمنية بالذات فأقسم بالفجر والضحى والعصر والليل وهو سبحانه لا يُقسم إلا بعظيم، فهذه الأوقات واللحظات ليست أوقاتا فلكية وحسب بل هي محطات ذات دلالة كبيرة في حياتنا اليومية لمن أحسن الوقوف عندها.
وقد حذّرنا القرآن صراحةً من أن تُلهينا أموالنا وأولادنا ومشاغلنا ومنها هواتفنا وأجهزتنا قطعا عن ذكر الله، وسمّى ذلك خسارة لأننا بذلك نقايض صلتنا بالله بصخب الدنيا وفضل متاعها فنخسر ما لا يُعوَّض ونربح ما لا يبقى، وهو ما يجعل الصلوات والذكر من الأولويات والمحطات المشعة في يوم المسلم.
وبعد كل صلاة دعاء وذكر وتأمل ورجوع إلى الله في خمس فواصل في يوم مزدحم سريع، لو أحسنّا التوقف عندها وأعطيناها حقها ولم نعبر عليها مسرعين، لوجدنا فيها كثيرًا مما نفتقده من الراحة والسكينة، ولعدنا إليها كلما اشتد بنا التعب والقلق، ولأدركنا أن قلقنا يتراجع حين نستعيد صلتنا بالمصدر الحقيقي للطمأنينة.
وهنا يحضرني المعنى القرآني العميق: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالطمأنينة لا تعني أبدا غياب المشكلات، وإنما تعني حضور معنى أعمق يوازن اضطراب النفس. والذكر يملأ مساحة من الوعي والقلب فيخفف توترنا فتستعيد نفوسنا صفاءها ورونقها. عندها فقط يبدو اليوم والأسبوع والعمل والعمر كله في حجمه الحقيقي. سفر قصير، ووجهة محددة، ومحطات خمس للزاد والوقود والترميم إن لزم الأمر. وهذا ما تفعله العبادة في حياتنا حين نمارسها بحضور ووعي.
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال مقاطعة التقنية وإغلاق الهواتف أو رفض وسائل العصر، فالتقنية في ذاتها نعمة، ووسائل التواصل قد تكون أدوات نافعة جدا إذا تعاملنا معها كوسائل للنفع والخير لا كوسادة نستند إليها دون وعي فتبتعد بنا عن طبيعتنا وما جبلت عليه أنفسنا.
وتتفاقم المشكلة حين تتحول هذه الأدوات من خادم إلى سيد وأحيانا كثيرة إلى أفيون، فقد التهمت هذه الأجهزة أعمار كثيرين منا فأفقدتنا حياة الواقع، ونقلتنا إلى عالم موازٍ نصل إليه بلمسة خفيفة، فنجد فيه ما يشغلنا ولا يشبعنا ويُلهينا ولا يريحنا، ونفقد فيه ما لن نستعيده ‘الوقت’ ومن هناك يأتي الندم والحسرات.
والخلل ليس في وجود الهاتف الذكي ولا التكنولوجيا السريعة، بل في أن تصبح الإشعارات هي الناظم لإيقاع قلوبنا ومشاعرنا ويومنا كله، فبدل أن نسمع نبض قلوبنا، وصوت ضمائرنا، وكلمات أحبتنا، وندع إيقاع حياتنا ينبع من أولوياتنا وعباداتنا وما يصلح دنيانا وآخرتنا نترك أنفسنا في قبضة التقنية مدا وجزرا، تملأ فراغاتنا بكل التفاهات وتسرق منا أجمل الأيام والسنين ونحن في غفلة نائمون.
وليس المطلوب أن نهرب من العصر ولا أن نعزف عن التقنية ولكن هل من المعقول أن نستسلم لوسائل تعصر منا العمر كله أم أن نعيد ترتيب علاقتنا بالزمن وأن نعيد التقنية إلى موضعها الطبيعي على رفوف حياتنا، كأداة بين أيدينا نستعملها حين نحتاج إليها ونعيدها إلى موضعها جانبًا لنعيش لحظتنا ويومنا وعمرنا.
طبيعي أن نجد صعوبة في أن نتصور ذلك، وقد أصبحت هواتفنا تسبقنا إلى كل منظر جميل نصوره وكل لحظة عائلية نحبسها ولسان حالنا ليس لنا الوقت لنتمتع بها الآن فلابد إذن أن نحفظها إلى حين، لكن متى وجدت صورتك تحت الشجرة بنفس العبق حين تتمدد تحتها فوق العشب وتلمس رطوبته وترتاح فوقه والنسيم يتخلل كل شعر رأسك ويفتح مسامات قلبك.
وهذا يعني أنه لا ملاذ لنا إلا الفواصل فالصلوات والعبادات هي الإطار الذي تتوزع داخله وحوله بقية حركاتنا وسكناتنا وحين تتحول الصلاة إلى عبء نؤديه على عجل لا ننال منها خيرها، وإذا أهملناها أعرضنا عن ذكر الله بضجيج المشاغل والتنبيهات فضاقت علينا معيشتنا بما رحبت وصرنا كمن تسوقه آلة وحشية تأكل الأخضر واليابس وما بينهما وتلك هي معيشةً ضنكًا.
أما من استطاع منا أن يجعل لصلاته وقتًا لا يزاحمه فيه مزاحم ولذكره لحظات يقطع فيها اتصاله بالعالم الخارجي متصلا بالله مستمتعا متزودا، فإنه حتما سيدرك أن القلق الذي ظنه قدرًا محتومًا في هذا العصر ليس إلا نتيجة غياب هذه الفواصل الرحيمة والفاصلات المنجيات واستعادتها ليست ترفًا روحيًا بل هي لا محالة الطريق إلى السكينة التي تنزل على النفس كستار مخملي هادئ، لتريحنا من ضجيج العصر، وتمنحنا القدرة على مواجهة القلق والضغوط التي لا تنتهي.
وإن الليل والنهار يعملان فينا شئنا أم أبينا، فإن لم نعمل نحن فيهما بما ينفعنا عملا فينا بما يُفنينا، وما بين هذين يتقرر مصير لحظاتنا، حياتنا وأعمارنا.
وإنما منحنا عمرا واحدا لنحياه…
د. فضيلة قرين
مونتريال 30 جوان 2026

